آقا بن عابد الدربندي
126
خزائن الأحكام
من زاعم انه لا اعتداد بهذه القاعدة بل المعتدّ به في مواردها ضدّها وهو الذي صار قاعدة اى القاعدة هو الأسباب وكم من زاعم زعم عدم شمول هذه القاعدة لبعض الموارد وكم من متخيّل انها من أصول المذهب بمعنى انها قد بلغت من القوة درجة لا يعارضها اخبار الآحاد كبعض العمومات والمطلقات الذي لا يعارضه اخبار الآحاد لبلوغه قوة قوية ولو كان ذلك بحسب عمل الكلّ أو المعظم أو نحو ذلك وكم من اخذ الجادة المستقيمة بالقول انها من القواعد الثانوية القابلة للتخصيص فلما كانت هذه القاعدة من القواعد المهمة كثير الفوائد لزم اخذ مجامع الكلام فيها ولو بالإشارة والاجمال ثم إراءة طرق التمرين الذي هو المقصد الأصلي في البين فلا بدّ قبل الخوض في المط من تمهيد مقدّمة نافعة في البين في الفرق بين العلّة والسبب فاعلم أن التغاير بين السّبب والعلة بحسب اللغة ظ وكذا عند معظم النحاة ففرقوا بين الباء السّببية والتعليلية بمثل قوله تعالى فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ * وقوله فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا والفرق بينها وبين باء الاستعانة اظهر فلا تدخل الاعلى الآلات ولا نضح في الافعال المنسوبة إلى اللّه تعالى وكذا عند علماء الكلام والفقه فالسّبب ما يحصل الشيء عنده لا به والعلة به وبعبارة أخرى ان المسبّب لا يلازم السّبب لجواز تخلّفه لموانع أو فقد شرط والعلّة سالمة عن ذلك على أن العلّة تقارن الحكم ولا يجب مقارنة المسبب للسّبب والعلة الشرعيّة تحاكى العقلية ابدا لا يفترقان الا ان في تلك موجبة بنفسها وهذه ليست كذلك وقد يفرق بينهما بان في العقلية لا بد من حكم العقل وان تعلق الحكم على نمط الحقيقة لا بوضع الواضع وانّها مطردة ومنعكسة ولا تختلف بالأديان والشرائع ولا يتعلّق بغيرها ما يتعلق بها هذا واما الفقهاء والاصوليّون منا فقليلا ما يتعرضون والتفرقة بين العلّة والسّبب ولعل ذلك لا لعدم الفرق بينهما بل لفقد الفائدة وقد استعمله جمع من فضلاء العامة في الفقهيّات ورتبوا عليها ثمرات فمنها تقديم المباشرة على السّبب ومنها عدم الضمان فيما لو فتح زقا بمحضر من مالكه نظرا إلى أن فتح الزق سبب والسّبب يسقط حكمه مع القدرة عليه ومنها « 1 » اضعفية الشّرط من السّبب نظرا إلى أن الشّرط يلزم من عدمه العدم ولا ملازمة بين السّبب والمسبّب انتفاء وثبوتا إلى غير ذلك من الثمرات في بيان تقسيم الأسباب إلى الأسباب المعنوية والقولية والفعليّة والقلبية وكيف كان فان السّبب على قسمين الأول معنوي وهو الذي يكون مستلزما لحكمه باعثة على شرعيّة الحكم المسبّب كالملك والاتلاف والمباشرة واليد والزنا فهذا قد يكون قولا كالعقد والايقاع ونحو ذلك وقد يكون فعلا كالالتقاط والحيازة ونحو ذلك فيندرج تحت ذلك الأسباب المفيدة لملك العين بعقد معاوضة كالبيع ونحوه والأسباب المفيدة لملك العين بعقد لا معاوضة كالهبة والأسباب المفيدة لملك العين لا بعقد كالحيازة والأسباب المفيدة لملك المنفعة بعقد معاوضة كالإجارة والأسباب المفيدة لملك المنفعة بعقد غير معاوضة كالوصية بالمنفعة والعمرى والأسباب المفيدة لملك المنفعة لا بعقد كارث المنافع والأسباب المسلّطة على ملك الغير مما يسلّط عليه بالتملك قهرا كالشفعة والمقاصة ونحو ذلك ومما يسلط على ملك الغير بالتصرف لمصلحة المتصرف خاصّة كالعارية ومما يسلط على ملك الغير بالتصرف لمصلحة المالك خاصّة كالوديعة المأذون في نقلها واخراجها والوكالة المتبرّع بها ومما يسلّط عليه لمصلحتهما كالشركة والقراض والوكالة بجعل ومما يسلّط عليه بمجرّد وضع اليد كالوديعة غير المأذون فيها إذا لم يحتج إلى النقل وكذا تدخل تحته الأسباب التي تقتضى منع المالك من التصرف في ماله مما هي أسباب الحجر الستّة ممّا يضاهيها كحجر الزوج على المرأة فيما يتعلّق بالاستمتاع وحجر البائع والمشترى لتسليم الثمن والمثمن والحجر على سيّد أم الولد فيما يتعلق باخراجها عن ملكه الا في مواضع معدودة ثم إن الأسباب الفعلية قد تكون من الأمور القلبية كنيات الزكاة والخمس في التملك ونيات العبادات في ترتب احكامها عليها ومنها الإرادة والكراهة والمحبة والبعض فيثمر مثل ذلك في مثل تعليق الظهار ومن الأسباب القلبية الشك في بعض الأوقات فيثمر في مسائل من الصّلاة ثم إن السّبب الفعلي كما أنه يكون منصوبا من الشارع ابتدائيا بالأصالة كذا قد لا يكون كذلك بل بما دل عليه القرائن كتقديم الطعام إلى الضيف وتسليم الهدية إلى المهدى اليه هذا واما القسم الثاني فهو وقتىّ وهو فيما يكون الوقت مقتضيا لثبوت حكم شرعىّ كمواقيت الصّلاة فكما ان كل جزء من الوقت سبب فكذا انه ظرف للمكلف به نعم قد يتعرّى الوقت عن السّببية وذلك كما فيما يعد رؤية الهلال بالنسبة إلى زكاة الفطر وبالجملة فان تعرية الوقت عن السّببية دون الظرفية في غاية الكثرة وذلك كما في المنذورات المعلقة على أسباب مغايرة للأوقات وكالسّنة بكمالها في قضاء شهر رمضان وجميع العمر بالنسبة إلى الواجبات الموسّعة وشهود العدد أو الاقراء ثم اعلم مقدّمة أخرى متضمنة لجملة من الأمور المهمّة فلا يخفى عليك ان فوائد هذه المسألة مما في غاية الكثرة حتى في غير العبادات خصوصا إذا لوحظ ما أشرنا اليه من أن هذه القاعدة اى قاعدة عدم التداخل شعبة من شعب القاعدة المتقدّمة في الخزينة السابقة في تداخل الأسباب فاعلم أن التداخل حيث يثبت امّا بفرض بناء الامر عليه في مقام تأسيس الأصل « 2 » على العدم ليست النية في العبادات مما فيه مدخلية له بل انّى ما ينوى مع الانفراد ينوى مع الاجتماع وما لا ينوى هناك لا ينوى هنا نعم ان مقتضى الأصل عدم الاجزاء بنيّة واحدة مما امر به من المسببات فاسقاط نية الواحد نيات الكل انما يتوقف على الدليل ودعوى ان ما يدّل على التداخل في الافعال اى على صورة التداخل وترتب الآثار على نمطه من الآثار من الاسقاط يدل على التداخل كذلك في النيّات غاية ما في الباب ان هذا انما بالالتزام وان كانت غير بعيدة إلّا انها انما تثمر فيما ثبت التداخل
--> ( 1 ) عدم ( 2 ) أو بالدليل بعد تأسيس الأصل